“إعلام المصريين” أم إعلام “المصري الوحيد”؟

“سمعنا شائعات بشأن وجود اندماج بين الشركتين، ونتابع الملف لعدم الإضرار بالمستهلك وحرية المنافسة، والقانون الحالي للجهاز يتضمن مواد تنظم عملية الاندماجات والاستحواذات بين الشركات، بما يَحول دون خلق أوضاع مشوهة فى السوق تضر بالمنافسين والمستهلك”.

هكذا تحدث رئيس جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية قبل شهر واحد، حين ترددت شائعات – مجرد شائعات – بشأن اعتزام شركة أوبر الاستحواذ على شركة كريم، ولم يكتف الجهاز بذلك، بل أرسل قبل أسبوع إخطار رسمي للشركتين بأن عليهم الحصول على الموافقة المسبقة من الجهاز قبل حدوث أي اتفاقات أو تعاقدات استحواذ بينهم.

جوهر اعتراض الجهاز على فكرة دمج الشركتين هو تأثير ذلك على المنافسة والمستهلك معا، لأن احتكار خدمة ما يجعل محتكرها قادرا على فرض سعر وجودة وقواعد معينة على المستهلكين دون أن يكون أمامهم خيارات أخرى، كما يجعل من الصعب على أي شركة تريد أن تستثمر في هذا المجال أن تواجه كيانا ضخما بهذا الشكل، وبالتالي يزداد حصار المستهلكين.

أخيرا أعلنت شركة إعلام المصريين الاستحواذ على شبكة قنوات سي بي سي، بعد أن استحوذت في وقت سابق على قنوات أون تي في ومن بعدها شبكتي الحياة والعاصمة، وعلى مواقع وصحف اليوم السابع وصوت الأمة وعين ودوت مصر وانفراد وإيجيبت توداي وبيزنيس توداي، إضافة إلى شركتي إنتاج سينمائي وتليفزيوني “سينرجي ومصر للسينما” وشركات إعلان وتسويق “بريزنتيشن وسينرجي وهاشتاج وايجيبشان اوت دور”، لكن جهاز حماية المنافسة لا يرى في ذلك احتكارًا!

نحن هنا لا نتحدث عن احتكار يؤدي إلى تحديد أسعار الخدمات ويضر بالمستهلكين ماديا وفقط، لكنه احتكار اقتصادي/سياسي/فكري/معلوماتي يجعل المواطنين أسرى لما يقرر شخص ما غير ظاهر في الهيكل الإداري لكل هذه المؤسسات أصلا أن يعرضه، ولما يعتقده هذا الشخص حقا وضلالا وخيرا وشرا، دون أن يحصل الناس على حقهم في الحصول على آراء وأخبار وأفكار متنوعة تمكنهم في النهاية من صياغة رأي.

لسنا في حاجة بالطبع للكشف عن أن الدولة/النظام هي المالك الفعلي للشركة المحتكرة لكل هذه النوافذ الإعلامية، هذا لم يعد سرًا، والدولة نفسها لا تهتم بأن يبقى سرًا، ولا بأن تخفي قناعتها بأنها يجب أن تكون المالك الوحيد والحصري لكل أجهزة الإعلام، ولا بأن تداري كراهيتها للإعلام في حد ذاته مؤيدًا كان أو معارضًا، بالتالي لا يتوقع أحد أن ينتفض جهاز حماية المنافسة كما فعل مع أوبر وكريم، لأنه في هذه الحالة يمكن ألا نسمي استحواذ إعلام المصريين على كل هذه الوسائل الإعلامية احتكارا، يكفي أن نطلق عليه الوصف الذي استخدمه رئيس الشركة تامر مرسي نفسه: “تنظيم ضروري لسوق الإعلام”.

 

“الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه”، ربما كانت هذه الجملة التي قالها السيسي في عام رئاسته الأول هي كلمة السر الموجهة لأجهزة الدولة لبدء عملية “نصورة الإعلام المصري”، لم تكن أي وسيلة إعلامية أيام عبد الناصر خارجة عن سيطرة الدولة، كان هناك رقيب يقرأ كل كلمة أولا ليقرر إن كانت مناسبة للعرض على الناس أو لا، كان الإعلام ينشر ما يراه النظام الحاكم أنه في مصلحة الدولة ولو كان كذبا “النكسة نموذجًا”، كان دور الإعلاميون أن يتحدثوا بلسان عبد الناصر لا الناس ومن يخالف ذلك يلزم منزله – وهو أكثر الخيارات رحمة.

بدأت العملية على قدم وساق واشترت الدولة غالبية وسائل الإعلام وحجبت الباقي، منعت عشرات الإعلاميين من الظهور والكتابة حتى من كانوا موالين ومحبين في وقت سابق، لن يعطيك أحدًا أٌذنا لتشرح أنك تنتقد من أجل مصلحة، فلا وقت للاختلاف ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة “وادفع الفاتورة الأول وبعدين اشتكي حتى لو معندكش تليفون”.

لكنهم لا يدركون وهم يفعلون ذلك – أو يدركون ولا يهتمون – بأنهم يجردون مصر من أحد أهم مصادر قوتها، وأنهم حين يريدون هذا الإعلام لخوض معركة ما في المستقبل لن يجدوا إلا مسخا، فبينما تستثمر قوى إقليمية أخرى في الإعلام وتقويه وتدعمه بوجوه جديدة – كثير منها استغنت الدولة عنها طواعية – نغلق نحن القنوات البرامج ونسرّح الصحفيين والمذيعين والعاملين ونقدم محتوى بغيضا لا يشاهده إلا من يراقبوه.

والمؤلم أن ذلك كله لا يحدث لأجل وطن ولا لأجل قضية، بل لأجل شخص واحد سيرحل آجلا أو عاجلا تاركا الإعلام المصري من خلفه أشلاء.

يعتقد النظام أن نموذج الإعلام الذي اعتمده مبارك في سنوات حكمه الأخيرة أدى إلى الثورة، فلماذا لا يفترض أن نموذج الإعلام الذي تبناه عبد الناصر في الستينات قاده إلى النكسة؟

والحق أن لا الافتراض الأول صحيح ولا الثاني، فالإعلام لا يؤدي إلى ثورات ولا نكسات، هو مجرد مرآة تعكس واقعًا لا إلهًا يخلق الواقع من عدم، عندما تسيطر على الإعلام فتمنعه من الحديث عن الفقر لن يعني ذلك أن الفقر انتهى، لن ينتهي الفقر إلا باتباع سياسات رشيدة تقضي على الفقر ووقتها لن يجرؤ الإعلام على ادعاء وجوده، وإن فعل سيهجره الناس لأنه يكذب، تماما كما فعلوا الآن. أحجموا عن إعلام أنفق النظام مئات الملايين للاستحواذ عليه، وبحثوا على صفحات التواصل الاجتماعي ومصادر أخرى لمعرفة المعلومات، دون أن يدرك من يتحدثون ليل نهار عن الأمن القومي أن هذا هو أكبر تهديد للأمن القومي!

ذلك أنهم نسوا وهم يمضون قدما في استدعاء نموذج عبد الناصر أن هناك فارقا ضخما بين الزمنين لا يسمح بالنقل الحرفي، والنتيجة كما نرى، فلا هم تركوا الإعلام لأصحابه وللناس، ولا هم أصبحوا المصدر الوحيد.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق