الديمقراطية حين تصحح أخطاءها

في أبريل 2011 جمعني لقاء بصديق يملك مصنعًا صغيرًا. لم يشارك في ثورة يناير، ولم يكن يحمل تجاهها أي مشاعر، لا سلبية ولا إيجابية، لكن همه كان الوصول لإجابة على سؤال واحد: “لماذا لم تحقق الثورة التي قمتم بها أهدافها حتى الآن؟!”

هالني أن كل الحاضرين في هذا اللقاء – الذي كان يفترض أن يكون عائليًا لكن السياسة سيطرت عليه بالكامل – غلب عليهم التململ من حالة الاضطراب التي تسببت فيها الثورة، واستعجال التخلص من كل هذه الآثار ولو حتى بالعودة إلى أيام مبارك!، وهالني أكثر معرفتي بأنه ما من ثورة قامت في بلد يعاني فقرًا وجهلًا وفسادًا وتجريفًا كما مصر، إلا واحتاجت سنوات طويلة لتوضع على الطريق الصحيح وتبدأ رحلة الانطلاق نحو المستقبل، فكيف لهؤلاء الذين نفد صبرهم بعد شهرين فقط من خلع مبارك أن يتحملوا القادم؟

حدث ما كنت أخشاه – وأتوقعه في آن – كفر ملايين بالثورة واعتبروها خصمًا كريهًا، وساعدهم على ذلك إعلام النظام السابق الذي لم يتوقف يوما عن تشويهها، وبحثوًا عن أي فرصة تعيدهم لما كانوا عليه ليلة 24 يناير، وحينما جاءتهم لم يفوّتوها. الأزمة أن مصر لم تعد حتى لما كانت عليه قبل الثورة، بل لنموذج أكثر استبدادًا وأكثر فقرًا، تنازل المصريون عن الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان مقابل الأمن والحياة الكريمة فاكتشفوا متأخرًا أنهم تنازلوا عن كل شيء مقابل اللا شيء.

تذكرت هذا كله وأنا أتابع نتائج انتخابات الكونجرس، حيث استطاعت الديمقراطية أن تصحح أخطاءها بأدوات ديمقراطية أيضا، جاءت الصناديق برئيس متطرف يحمل أفكارًا مخالفة للقيم التي قامت عليها أميركا، ثم جاءت الصناديق نفسها بمن يقوّمه ويواجه نزقه ونزواته، وهكذا هي الديمقراطية دومًا، إما أن تصلحها من داخلها أو تأتي بمن يقتلها ويحكم بوسيلة أخرى غيرها، الأكيد أنها لن تكون أفضل منها مهما كان بها من عيوب.

الواضح أن مؤسسات الدولة العميقة هناك لا ترتاح لوجود ترامب من اليوم الأول، لكن حتى عندما جاءت الفرصة وظهر ملف التدخل الروسي في الانتخابات الذي يمكن استغلاله في عزل الرئيس فكر الجميع ألف مرة قبل استخدام هذا الكارت، وكلما أفادت المؤشرات بقرب اللجوء إليه قدموا رِجلا وأخّروا الأخرى، حتى الإعلام الذي يعادي الرجل بشكل كامل تقريبا لم يطلب من الناس الخروج عليه ولم يستدعي مؤسسات أخرى لتخليصهم منه، وربما وجد الجميع في انتخابات الكونجرس فرصة آمنة لضرب ترامب دون المساس بالديمقراطية التي جاءت به.

لم تحصل ثورة يناير على فرصة عادلة لإصلاح عيوبها بنفسها وأدواتها، بالتأكيد كانت هناك عيوب، هذا بديهي ومتوقع، كل الكيانات والأشخاص والائتلافات والأحزاب التي قادت تلك المرحلة كانت تتحسس طريقها وتتعلم السياسة ومخاطبة الجماهير والتعامل مع الإعلام.

شباب الائتلافات الثورية قليلو التجربة حديثو العهد بالسياسة، سحرتهم أضواء الكاميرات والشهرة المفاجئة، اتخذوا في كل مرة القرار الخطأ، صعّدوا حين كان يجب التهدئة وتجاوزوا عن قرارات وإجراءات ما كان لهم أن يسمحوا بتمريرها، لذلك كانوا بحاجة لمزيد من الوقت للتعلم من الأخطاء والتدرب على الممارسة الديمقراطية.

القيادات الأكبر سنًا مارست السياسة سابقًا في مناخ مسمم قائم على تفاهمات الغرف المغلقة، ومؤامرات الأجهزة الأمنية، والديمقراطية الشكلية، فعبر 60 عامًا سابقة منذ سقوط الملكية كانت السياسة إما مغيبة ومحظورة تماما، أو حقا حصريا لتنظيم واحد تابع للسلطة، أو قائمة على تعددية مشوهة وأحزاب مرتمية في أحضان الأجهزة الأمنية أو مخترقة منها في أحسن الأحوال، لذلك كانت تحتاج هذه القيادات بدورها بعض الوقت حتى تدرك طبيعة التغيير الذي حدث وتتعامل معه.

لم يكن عاقل ينتظر أن نضغط على زر ما لنتحول من تجربة بائسة تجذرت عبر عشرات السنوات إلى نموذج ديمقراطي متكامل وناضج كالحادث في أميركا أو بريطانيا أو فرنسا ناضلت الشعوب هناك عبر سنوات وقدمت كثيرًا من التضحيات لتنتقل إليه.

كانت التجربة تحتاج بعض الوقت، لكن لا الشارع منحها تلك الفرصة، فبات يفضل العودة لماضٍ سيء خوفا من أن يكون المستقبل أكثر سوءًا، ولا القوى السياسية المحسوبة على الثورة منحت الديمقراطية الوليدة الفرصة لأن تنضج، فاستدعت كل الأطراف السياسية الدولة القديمة مجددًا، إما بالكبر وعدم الاستجابة لمطالب القوى السياسية الأخرى، أو بالاستعجال والاستسهال وعدم إجهاد النفس في البحث عن حلول أكثر توافقا مع الديمقراطية التي تنادي بها.

النتيجة المنطقية والعادلة هي خسارة فادحة للجميع. خسر الوطن فرصة جديدة للوصول إلى المكانة التي يستحقها. المواطن أصبح يعاني أضعاف ما كان يعانيه في أشد الأوقات التي تلت الثورة اضطرابا، عاجز عن تدبير احتياجاته الأساسية، تكبله الحكومة بالتزامات جديدة كل يوم وتضع يدها في جيبه كل ساعة وتحرمه حتى من حقه في الاعتراض والمناقشة، والسياسيون المحسوبون على الثورة على اختلاف توجهاتهم لم يخسروا فقط فرصتهم في الحكم، لكنهم خسروا حريتهم ذاتها، والتقى الآلاف منهم في سجون من استدعوه ليفصل بينهم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق