حكايات تعديل الدستور.. أو ما يحدث في دول ليست “قد الدنيا”

كانت الأمور كلها تشير إلى أن عملية تعديل الدستور الموريتاني وتعديل المادة المحصنة الخاصة بمدد الرئاسة باتت مسألة وقت، فهناك أصوات كثيرة خرجت من موالين للرئيس تطالب بضرورة استمراره لما بعد انتهاء فترته الدستورية منتصف العام الجاري لإكمال المسيرة ومواجهة الأخطار التي تهدد البلاد (كلهم يقولون ذلك)، وبدأ الحراك ينتقل إلى البرلمان عن طريق النائب يحيى ولد الخرشي الذي جمع توقيعات أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان بما يعني التحضير لمؤتمر برلماني أو الدعوة لاستفتاء جديد لفتح مدد الرئاسة.

لا شيء يستطيع أن يقف أمام هذا السيناريو، الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي وصل إلى الحكم بعدما قاد انقلابا عسكريا على الرئيس المنتخب قبل 10 سنوات ما زال قويًا ويسيطر على الأوضاع بشكل كامل حتى أنه أحبط في منتصف 2016 محاولة انقلاب عسكري عليه، كما أنه يحظى بأكثرية برلمانية مريحة، ولا تتمتع المعارضة هناك بقوة تمكنها من مواجهة رئيس عسكري بهذه المواصفات، ولا أحد من القوى الدولية يمانع – أو يهتم – بتعديل دستور موريتانيا، ما يعني أن الأرض ممهدة تماما للانتهاء من التعديلات والبقاء في الحكم دون ضجيج يذكر.

وبينما كان الجميع في موريتانيا، أغلبية ومعارضة وشعبًا، يعرفون أن استمرار ولد عبد العزيز في الحكم لأعوام إضافية بات أمرًا واقعًا، خرج الرئيس نفسه قبل أيام ليدعو في بيان رسمي إلى وقف كل المبادرات المتعلقة بمراجعة المواد المتعلقة بالفترات الرئاسية، ويؤكد أنه ماضٍ في احترام موقفه الثابت وتصميمه على احترام دستور البلاد وعدم قبوله أي تعديل دستوري.

يحدث هذا في موريتانيا، الدولة التي شهدت أكبر عدد من الانقلابات العسكرية في العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين وبداية القرن الحالي وعلى يد رئيس وصل للسلطة أصلا بانقلاب عسكري. قبلها حققت إثيوبيا قفزات هائلة نحو الانتقال للديمقراطية عبر إجراءات شجاعة اتخذها رئيس الوزراء آبي أحمد قلصت صلاحيات الجيش في الحياة المدنية ووصل الأمر إلى تعيين سيدة في منصب وزير الدفاع وتشكيل حكومة أغلبيتها من النساء، فضلا عن المضي في إصلاحات سياسية واقتصادية لم تشهد إثيوبيا لها مثيلا، وقبل ذلك بسنوات طوت رواندا عقودا دموية قضت فيها الحرب الأهلية على نحو ثلث الشعب وانطلقت نحو تجربة ديمقراطية تعددية ساعدتها في أن تصبح أهم اقتصاد صاعد في أفريقيا وتحقق لمواطنيها مستوى معيشة غير مسبوق، وهكذا فعلت أيضا جنوب أفريقيا.

تتفتت الديكتاتوريات العتيدة في أفريقيا يوما بعد يوم، تزيد قناعة النخب والشعوب بأن الديمقراطية وإن لم تكن خالية من العيوب إلا أنها نموذج الحكم الوحيد القادر على إصلاح عيوبه تلقائيًا وبتكلفة أقل، وبأن النماذج الأخرى التي تم تجريبها سابقا لم تجلب لدولها إلا الفقر والدم والخراب، بينما مصر التي جلبت التعددية إلى إفريقيا منذ بدايات القرن العشرين، ثم قادت حركات التحرر في منتصفه، ثم قدمت نموذج فريد في الثورات السلمية مطلع القرن الجديد، تدور الترتيبات فيها على قدم وساق لتعديل الدستور من أجل بقاء طويل/أبدي للرئيس، بعد سنوات ساد فيها المنع والحظر والحجب والتضييق والتكميم والترهيب، وذُبحت فيها السياسة والديمقراطية والشفافية والمحاسبة والحكم الرشيد.

بينما يتقدم الجميع للأمام نستهدف نحن ما بعد الخلف، نسعى لتجنب مصير دول سقطت باتباع نفس الأساليب التي أدت لسقوطها، تتحكم في مصائرنا أغلبية مصنوعة في أقبية مظلمة ترد الجميل لمن صنعها غير عابئة بما يمكن أن يصيب الوطن (أو ما أصابه فعلا) من جراء ما يقرروه ويفعلوه، ويدفع الثمن كل من طالب ونادى وحلم بقيادة تلملم أوراقها وترحل عندما تأتي ساعة الرحيل دون فرض وقت إضافي على الجمهور.

أعرف أن الرئيس والدائرة المحيطة به قد قرأوا مقال الرجل الذي يطالب باستمراره (لاستكمال الانجازات)، لكنني لا أعرف إن كانوا قد قرأوا مقالات الرجل نفسه قبل 10 سنوات، ليتوقعوا ما يمكن أن يكتبه بعد 10 سنوات من الآن. هو يدعي أن الذي دفعه لاقتراحه حب الوطن، وكثير من النوايا السيئة تتوارى إذا قُدمت مغلفة بحب الوطن، لكن حب الوطن كله يتلخص في منحه فرصة للتنفس وتقرير مصيره دون وصاية ولا إجبار.

الأوان لم يفت بعد، أمام هذا الوطن فرصة – ربما تكون أخيرة – لنفض غباره ولملمة جراحه والعودة إلى بداية الطريق الصحيح، طريق الديمقراطية والحكم الرشيد والقوة الحامية للشعب لا الموجهة لصدره. بداية ذلك أن يُغلَق الباب أمام دعاوى مد فترات الرئاسة والتعامل مع الدستور كآمر للسلطة لا خاتم في اصبعها ترتديه متى شاءت وتخلعه إذا أرادت، ونهايته أن تحدد السلطة إذا كانت مصر بعد 5 سنوات تحت حكمتها قد استقرت وبدأت الانطلاق أم ما زالت تواجه خطرا يهدد وجودها، إن كانت قد استقرت فلم يعد لها مكان بما أنها وصفت من البداية بأنها سلطة ضرورة ورئيس ضرورة، وإن لم تكن قد استقرت وتواجه خطرا وجوديا بعد كل هذه السنوات فلم يعد لها أيضا مكان، لأن ما لم يستقر في 8 سنوات من الحكم المطلق والسيطرة الكاملة، لن يستقر أبدًا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حكايات تعديل الدستور.. أو ما يحدث في دول ليست “قد الدنيا””

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق