د. حازم حسني يكتب: هذا الخبيز من هذه الخميرة

آخر ما تحتاجه مصر من أبنائها فى هذه الفترة العبثية من تاريخها هو القلب البارد أو العقل الساخن. فليبقى القلب ساخناً، وليبقى العقل مع سخونة القلب بارداً حتى وإن تناقصت قدرتنا النسبية على تبريده مع تصاعد سخونة الأحداث، وليترسخ فى النفس – مع القلب الساخن والعقل البارد – يقين بأن كل هذا العبث، الذى يضغط علينا هذه الأيام، ما هو إلا عرض زائل لن يستمر طويلاً وإن أرخت الأيام للعبث وللعابثين أملاً كاذباً فى طول البقاء !

رغم قسوة العبث على الضمير وعلى عمل آلة المنطق وآليات التفكير، ورغم ما يراه فيه القلب الساخن من ضرر تعطيل مسارات التطور الصحى للأمة وللدولة المصرية، إلا أنه – ككل الضرر – قد يرى فيه العقل البارد بعض الفائدة، وليس من الحكمة أن نهدر هذه الفائدة، ولا أن نستنزف قوانا فى غير تعامل العقل مع عبثية الواقع العابر باعتبار أن الواقع – حتى وإن كان عبثياً – هو مصدر من مصادر التعلم وتلمس معالم الطريق؛ فالتخلص من العبث ومن العابثين لا قيمة له إن لم نستخلص من تجربتنا التاريخية هذه دروساً تستقيم بها حياتنا بعد أن يذهب عنا العبث، وبعد أن بذهب عنا العابثون !

ما تكاثر علينا من ألوان العبث هو ذاهب حتماً مع العابثين، إذ لن تتحمله أو تتحملهم رحلة الأيام القادمة بكل ما سيعترض مسارهذه الرحلة من خطوب لن تفلح فى مواجهتها ثقافة العبث … فلا عبث يمكنه التحايل على منطق التطور التاريخى لأى أمة إلا بقدر ما يتمكن هذا العبث من ضمير الأمة ومن عقلها؛ وما يتمكن العبث من ضمير الأمة وعقلها إلا بقدر ما يتمكن من ضمير وعقل نخبتها التى تقودها؛ فقيادة الأمة مقدمة على قيادة الدولة، وإذا فسدت الأولى فلا أمل فى إصلاح الثانية !

أزمة مصر الحقيقية هى أن نخبتها تتسابق على قيادة الدولة، فلا تكاد تجد الأمة من يتسابق على قيادتها. الكل يظن – وعن حق – أن قيادة رشيدة للدولة هى المفتاح الأمثل لإستعادة بناء الأمة، لكن ماذا لو تعاقبت على الدولة قيادات بلا أى رؤية تاريخية تسمح لها بفتح ملفات الأمة؟ ماذا لو أن هذه القيادات قد أغوتها نداهة المال والسلطان فلم تأبه بمصير الأمة، بل وعملت – بقصد أو بغير قصد – على تفكيك الأمة أو تدميرها؟ ماذا لو انشغلت هذه القيادات بالدولة وترسيخها ولو على حساب وجود الأمة واستمراريتها، فضاعت بهذا الفصام ملامح الأمة وصارت الدولة ريشة منزوعة من طائرها يمكن أن تطيرها رياح الأيام فى أى اتجاه؟!

على عكس ما يعتقد كثير ممن أقدرهم فإن العبث بالدستور لن يكون بذاته سبباً فى كوارث وجودية مستقبلية، بل هو – بالأحرى – نتيجة لكارثة وجودية تعيشها أمة فقدت قدرتها على قراءة خرائط التاريخ، ولم تعد تملك من أمرها إلا أن تسير فى ركاب العابثين بها وبمقدراتها … عن الأمة المصرية أتحدث، فبغير تحقق وجود هذه الأمة المصرية لن يتحقق للدولة المصرية أى وجود حقيقى، بل مجرد وجود عابس قد يفرح به العابثون إلى حين، وقد يخدر مشاعر المصريين إلى حين، وقد يلهيهم عن حقيقة تحول دولتهم إلى مجرد ريشة فى مهب الريح الذى يأمل الجميع أن يكون رفيقاً بها وبهم كما هو حال النسيم مع بتلات الورود!

على عكس ما يراه الغارقون فى مستنقع “التعديلات الدستورية”، وعلى عكس ما يأمله الباحثون عن استقرار القبور، قد يفتح لنا هذا العبث الدستورى باباً ندلف منه لاستكشاف كوارثنا الوجودية التى تحاصرنا من كل جانب ولا نكاد نراها ! وفى هذا قد يكون من الواجب أن نشكر العابثين، إذ لولا مجهوداتهم العبثية لظل هذا الباب خارج مجال الرؤية، ولبقى ما وراءه خارج مجال التفكير، ولاستمر المرض ينخر فى جسد الأمة حتى لا يبقى منها ولا من دولتها شيئ يُذكر!

مرة أخرى، مصر بحاجة لمن يقود الأمة أكثر من حاجتها لمن يقود الدولة، وهى مهمة تدعونا جميعاً لعدم الوقوع فى مصيدة العبث الدستورى … فهو مجرد عبث، ومن العبث أن يستغرقنا العبث فلا نرى إلا إياه؛ ولنتذكر دائماً أن هذا الخبيز هو من هذه الخميرة، وليس من الحكمة أن نلعن الخبيز دون أن نصلح من شأن الخميرة؛ فخميرتنا قد سممتها الأيام، لكننا لا نرى فى معاركنا ضد طواحين الهواء إلا صورة الخبيز الذى يعكر علينا مذاق حياتنا!

المصدر: صفحة الدكتور حازم حسني على فيسبوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق