مصطفى محمود إبراهيم يكتب: أنا أشعر إذن أنا موجود

ذلك الثقل المبهم، الضيف الجاثم فوق صدرك يأبى إنهاء الزيارة، الخواء، أن تتساوى الموجودات كافة، تتلاشى الرغبات حتى لتظن أنها لم تكن قط، أنت لا تشعر بالحزن، لا تشعر بالوهن… أنت لا تشعر أصلا.
تمضي أيام ساعاتها ثقال، دقائقها كأنها الدهر، تنشد زفيرك الأخير كأنه انتصارك الأوحد، تعلم يقينًا أنه سبيل الخلاص الأضمن، يسترجع فص ما بمخك ذكريات سعيدة، فلا تجدها كذلك، ويستعيد أحداثًا أليمة فلا تزيدك ألمًا، هل يمحو الاكتئاب القدرة على الوصف أيضًا؟
لا تستطيع أن تمدح أو تقدح، فلا تجد مثلاً أن هذه أشجار جميلة، إلا أنك لا تراها قبيحة، إنها أشجار، أشجار فقط، بعض غصون وجذور وأوراق، تلك الفتاة التي أبهرتك يومًا وسال لعابك كالرضيع حين تقربت منك، هي ليست بذاك الجمال في الواقع، ليست فاتنة الخلقة ولا ذميمتها، هي فتاة لا أكثر.
تكتب الكلمات فلا تقدر على تقييمها، لا بد أنك فقدت قدرة التذوق أيضًا، فالكلمات سواء طالما تحقق المعنى، التشبيهات وألاعيب اللغة لا تعنيك طالما المضمون قد فُهم، حتى الشعر، ذلك النغم المقفى في ترتيب جهنمي لم يعد يثير جنونك كما كان، هي محض بحور تراصت على أوزانها حروف وكلمات.
هل قال “ديكارت” يومًا أنا أفكر إذن أنا موجود؟ لربما أخالفه قليلاً، أن تشعر دون تفكير لهو أعظم وأعز شأنا من التفكير دون شعور وإن امتلكت مزيجًا من عقلي “آينشتاين” و”هوكينج”، أن تملك مشاعرك خير من امتلاك سيارات “الأسطورة” كافة.
أنت لا تبكي ليل نهار كما تصورك تراجيديات الدراما، لا تضم شفتيك في تقزز وتعتكف وحيدًا، تاركًا لحيتك ليشذبها خالقها، لا تهجر أصدقاءك وعملك، لا تكره شيئًا، لكنك على السواء لا تحب شيئًا، تمارس كل نشاط يتاح، تبتسم وتطلق النكات البذيئة وسط الأقربين، تأكل “المحشي” بذات النهم وتواظب على قهوتك في الصباح، تثيرك حلقات الدخان بعد كل “نَفَس” من سيجارتك، حواسك مكتملة لا شك، إلا الشعور، أنت تعيش، تعمل، تشجع الأهلي بفطرتك، غير أنك لا تشعر بأي من ذلك…
الضيف الثقيل الجاثم على صدرك يواصل التطفل، فيطور ذاته ويتسرب إلى أحلامك، إلى عمق سباتك، إلى لحظات كانت حتى وقت قريب سبيلك الأوحد للراحة، ويبدأ عقلك الباطن بتذكيرك أنه لا يقل شأنا عن نظيره، “إن كان وعيك قادرًا على الفتك بك فلست أدنى منه”، ليخوض الثنائي غمار الحرب ضدك في سيزيفية مخيفة.
سيخبرك الطبيب أنه “السيروتونين”، بعض المستقبلات في المخ نسيت دورها وهرموناتك يقل تركيزها، لك كامل الحق في تصديقه والانجذاب وراء مثبطات الـ”شيء ما” الانتقائية تلك، ولي مثله في النأي عنها، ربما ينصحك ببعض الشوكولاتة لزيادة “الدوبامين”، وقد يكون من ذلك النوع ذي العمامة الذي ينصحك بالصلاة وصوم النوافل والاستغفار لتصفو روحك، رغم أنه أقنعك منذ دقائق أن الأزمة هرمونية بحتة!
ستستمر حياتك، ولربما لن يدرك غيرك ما بك أصلاً، إن أردت ذلك فقد تستطيع، فقط حاول تلوين ابتسامتك بغير الأصفر، ولا تنظر لمن يعرفك حق المعرفة في عينيه، فالعين لن تتوانى عن فضحك، وافق دائمًا على الخروج للتسكع وتدخين شيشة “القص”، لا ترفض عرضًا مرحًا، دع جسدك لهم يشاركهم ما اعتاد أن يشاركهم فيه، أما ضيفك الثقيل اللزج، فسيبقى ملاصقًا لروحك لا مفر…
ستصل في آخر الطريق، ربما منتصفه أو بدايته، إلى أن الذنب إن كان ذنب “السيروتونين” فلعنة الله على كل الهرمونات، وإن كان ذنب غيره فصفَح الله عن الجميع، في وقت ما لن تجد بداخلك مكانًا لحقد أو ضغينة، فحسبك ضيفك، ستنتظر ثم تنتظر وبعدها تنتظر، سيصبح الانتظار دورك في الحياة، صحيح أنك لن تعلم أبدًا ماذا تنتظر، لكنك لن تتوقف عن الانتظار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق